من “صانع السعادة” إلى “صانع” منظومة ريادة الأعمال: أحمد سفيان بيرم ودور الشركات الناشئة في تعافي سوريا
27 يوتيو 2026. في سيرة أحمد سفيان بيرم ما يختصر كثيرًا من حكاية جيلٍ سوريّ وجد نفسه، باكرًا، بين الخسارة والبدايات الجديدة. وطنٌ انقطع عنه أبناؤه قسرًا، ومشاريع ناشئة وُلدت في زمن مضطرب، ومعرفة تراكمت في المنفى والشتات، ثم عادت تبحث عن موضع لها في بلد يحاول النهوض من آثار حرب طويلة.
بدأ بيرم تجربته في سن مبكرة، حين أسس، وهو في التاسعة عشرة، مشروعًا صغيرًا للهدايا المصممة حسب الطلب اسمه “جوي ميكر” أو “صنايعي الفرح”. وبعد عامين، في 2012، اضطرته الحرب في سوريا إلى مغادرة البلاد، فتعثرت تجربته الأولى كما تعثرت آلاف المبادرات الاقتصادية السورية مع اتساع رقعة النزاع. غير أن ذلك لم يكن نهاية المسار، بل بدا لاحقًا كأنه مدخل إلى بحث عملي واسع: كيف تنشأ بيئات ريادة الأعمال؟ وكيف تُصنع الفرص حول الشركات الناشئة؟ وكيف يمكن للمعرفة المتراكمة في الخارج أن تعود يومًا لتخدم بلدًا أنهكته الحرب؟
منذ ذلك الحين، وعلى امتداد أكثر من عقد، عمل بيرم على دعم رواد الأعمال السوريين داخل البلاد وفي الشتات، عبر مبادرات ومواقع قيادية عدة. فكان من بين تجاربه عمله في منظمة جسور السورية–البريطانية، وتيك ستارز الأميركية، وبلاك بوكس، وهي جهات تعمل على دعم المؤسسين الناشئين وريادة الأعمال التي يقودها اللاجئون. كما أطلق مبادرته الخاصة، ستارت أب سوريا، لتكون مساحة لجمع البيانات ودعم الشركات الناشئة السورية وفهم التحديات التي تعترضها.
واليوم، بصفته مستشارًا لوزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري لشؤون الابتكار والشركات الناشئة، يواصل بيرم العمل في منطقة تتقاطع فيها ريادة الأعمال مع سؤال التعافي الاقتصادي والاجتماعي. فالمسألة لم تعد، في نظره، شأنًا تقنيًا أو اقتصاديًا محضًا، بل جزءًا من محاولة أوسع لإعادة بناء الثقة، واستعادة المؤسسات، وفتح البلاد من جديد على محيطها الإقليمي والدولي، ولا سيما فضائها الأورومتوسطي.
فبعد حرب مدمرة امتدت أربعة عشر عامًا وخفّضت الناتج المحلي الإجمالي السوري إلى أقل من نصف مستواه قبل النزاع، استأنفت سوريا عضويتها في الاتحاد من أجل المتوسط في يونيو 2025 وتسعى إلى توسيع حضورها في الأطر الأورومتوسطية التي يمكن أن تسند مسار إعادة الإعمار. ومنذ صيف 2025، شارك بيرم، إلى جانب عدد من المسؤولين والفاعلين السوريين، في فعاليات عدة نظمها الاتحاد من أجل المتوسط. وقد التقيناه على هامش مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط حول التوظيف والعمل، الذي عُقد في مالطا منتصف أكتوبر 2025.

أحمد سفيان بيرم، في الوسط، خلال جلسة نقاشية حول استثمار مخرجات البحث العلمي في مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط حول التوظيف والعمل، مالطا، 13 أكتوبر 2025.
وقفت سوريا، على مدى قرون، عند ملتقى طرق التجارة المتوسطية وطرق الحرير، وراكمت تقليدًا عريقًا في التجارة والحِرَف والمبادرة الفردية. غير أن الحرب قطعت جانبًا واسعًا من هذا الامتداد، وشتّتت كثيرًا من المبتكرين ورواد الأعمال وأصحاب الخبرات. ومن هذه القطيعة بالذات، بدأ بيرم ينظر إلى الخارج لا بوصفه منفى فحسب، بل مساحة للتعلّم من تجارب أخرى، واختبار نماذج مختلفة، والتفكير في كيفية تحويل ما راكمه السوريون في الشتات إلى رصيد يمكن أن يسهم في تعافي بلادهم. كان يرى في الشتات السوري طاقة مؤجلة، تنتظر لحظة تصبح فيها البلاد قادرة على استقبال أبنائها من جديد.
يقول أحمد: “ريادة الأعمال لا تقتصر على تأسيس الشركات أو خلق فرص العمل. إنها تبدأ، في جوهرها، من القدرة على قراءة المشكلات اليومية التي يواجهها الناس، ثم البحث عن حلول عملية قابلة للتطبيق والنمو”. غير أن هذه الحلول، ولا سيما في البيئات الهشة، لا تصمد اعتمادًا على حماسة المؤسس أو فطنته وحدهما. فهي تحتاج إلى محيط كامل يسندها: قوانين واضحة، وتمويل ملائم، وحاضنات أعمال، ومرشدين، وشبكات ثقة، وأسواق قادرة على استقبال الابتكار.
وتلتقي هذه الرؤية مع ما خلص إليه التقرير الثاني للاتحاد من أجل المتوسط حول التكامل الإقليمي، المعد بالشراكة مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ يشدد على أن دعم ريادة الأعمال لا يتحقق بمجرد تشجيع الأفراد على المبادرة، بل يحتاج إلى تمويل، وإصلاح تنظيمي، وبرامج لبناء القدرات.

أحمد سفيان بيرم خلال عرض الأجندة الوطنية السورية للشركات الناشئة التقنية 2026–2030، دمشق، 14 أبريل 2026. المصدر: لينكدإن.
ومنذ توليه مهامه، ساهم بيرم في عدد متزايد من المبادرات الوطنية الهادفة إلى ترميم بيئة الشركات الناشئة في سوريا وتوسيعها. فقد شارك في التحضير للأجندة الوطنية السورية للشركات الناشئة التقنية 2026–2030، وأسهم في إطلاق التحالف السوري لحاضنات ومسرّعات الأعمال، ودعم تنظيم قمة الشركات الناشئة السورية عام 2025. كما عُيّن عضوًا في مجلس أمناء هيئة التميز والإبداع السورية.
وفي أبريل 2026، نظمت ستارت أب سوريا، وهي المنظمة غير الحكومية التي أسسها أحمد قبل سنوات، أول أسبوع عالمي لريادة الأعمال في سوريا، بالشراكة مع سند الشباب وجسور. وبأكثر من تسعين فعالية توزعت على اثنتين وعشرين مدينة، أتاحت المبادرة مساحة للقاء بين المؤسسين والمرشدين والمؤسسات والمبتكرين الشباب. وكان ذلك مؤشرًا مبكرًا إلى إمكان نشوء تنسيق وطني أوسع حول ريادة الأعمال، بعد سنوات طويلة من التشتت والانقطاع.

أحمد سفيان بيرم خلال عرض في ندوة الاتحاد من أجل المتوسط حول ريادة أعمال الاجئين، القاهرة، 11 ديسمبر 2024.
ليست رحلة أحمد سفيان بيرم مجرد سيرة رائد أعمال بدأ بمشروع صغير ثم انتقل لاحقًا إلى العمل العام. إنها، في جوهرها، حكاية انتقال من الفكرة الفردية إلى بناء البيئة التي تجعل الأفكار ممكنة. وهي بيئة تحتاجها سوريا اليوم بقدر ما تحتاجها المنطقة الأورومتوسطية كلها، إذا أُريد لريادة الأعمال أن تتحول من مبادرات متفرقة إلى قوة فعلية في التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
