حرائق غابات المتوسط على وشك أن تبدأ مجدداً... بلا حدود
جوان بورّيل, الأمين العام المساعد للاتحاد من أجل المتوسط.
Published in Adnkronos, Philenews, Al-Dustour, Agence Europe (FR), Agence Europe (EN).
في أغسطس (آب) 2025، وبينما كانت الحرائق تجتاح البرتغال، تعطّلت طائرتان من أسطول مكافحة الحرائق ضمن المنظومة البرتغالية، فطلبت لشبونة دعماً جوياً من إسبانيا. لكن مدريد لم تستطع الاستجابة، إذ كانت مواردها مستنزفة بفعل حرائق متزامنة عبر شبه الجزيرة الإيبيرية. عندها تدخّل المغرب وأرسل طائرتين من طراز “كانادير”.
لم يكن ذلك مجرّد مشهد تضامن استثنائي في المتوسط. فقبل ذلك بعامين، في يوليو (تموز) 2023، وبعدما امتدت حرائق الغابات في شمال غرب تونس، فعّلت الحكومة آلية الحماية المدنية الأوروبية، إلى جانب تلقيها دعماً من الجزائر، فأُرسلت إليها طائرتان من احتياطي الإنقاذ الأوروبي المتمركز في إسبانيا للمساعدة في إخماد النيران.
يُعدّ موسم حرائق عام 2025 أحد أسوأ المواسم المسجّلة، وما يؤكده العلماء وأجهزة الرصد أن الحرائق لم تعد ظاهرة صيفية مألوفة يمكن احتواؤها بالإمكانات التقليدية، بل أصبحت نتيجة مباشرة لتداخل الحرارة الشديدة، والجفاف الطويل، والرياح، وتراجع قدرة الغابات على التعافي بين موسم وآخر. فالمنطقة لا تمرّ بدورة طبيعية عابرة، بل بتحوّل بنيوي في شروط الحياة والمخاطر. لم تعد حرائق الغابات أزمات وطنية معزولة. إنها خطر مشترك يعبر الحدود، ويكشف أن الأمن المناخي والبيئي في المتوسط لا يمكن أن يُدار بمنطق ضيق، بل بمنطق الشراكة المتبادلة والاستعداد المشترك.
ومع ذلك، ما زالت الاستجابة السياسية أقل من حجم الخطر. فكثير من حكومات المتوسط تتعامل مع الحرائق بوصفها طوارئ وطنية: كل دولة تعبّئ طائراتها وفرقها وخططها، ثم تطلب المساعدة حين تفقد السيطرة. هذا النهج مفهوم تاريخياً، لكنه لم يعد كافياً. فالنار التي تبدأ في غابة قد تهدّد ميناءً، أو مصنعاً كيميائياً، أو محطة طاقة، أو مدينة سياحية. والرياح التي تحمل الدخان لا تطلب إذناً لعبور الحدود.
المشكلة الأعمق أن إدارة الحرائق ما زالت، في كثير من الأحيان، قائمة على ردّ الفعل. نتحرك عندما تشتعل الغابات، لا عندما تظهر المؤشرات الأولى للخطر. لكن التكنولوجيا اليوم تتيح ما هو أفضل: أقماراً صناعية، وخرائط مخاطر، ونماذج تنبؤية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة إنذار مبكر قادرة على نقل إدارة الحرائق من الإطفاء المتأخر إلى الوقاية المبكرة. غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فما قيمة البيانات إذا بقيت حبيسة الوزارات الوطنية؟ وما جدوى الإنذار المبكر إذا لم تكن هناك آليات مشتركة لتقاسم الموارد واتخاذ القرار؟
من هنا تبرز الحاجة إلى بنية متوسطية مشتركة للحماية المدنية، ويلعب الاتحاد من أجل المتوسط دوراً جوهرياً في هذه المعادلة، لا بوصفه منصة حوار سياسي متعددة الأطراف فحسب، بل كإطار قادر على تحويل فكرة التضامن المتوسطي إلى آليات عمل ملموسة. ففي أبريل (نيسان) الماضي، اعتمدت الدول الأعضاء في الاتحاد “خطة العمل للحماية المدنية وإدارة مخاطر الكوارث لعام 2030″، بما يوفّر مساراً لبناء قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة الوطنية، وتبادل البيانات والخبرات، والاستعداد المشترك قبل وقوع الأزمات لا أثناءها فقط.
ليست المسألة إنشاء مؤسسة إضافية أو إنتاج بيانات سياسية جديدة، بل بناء قدرة عملية على التحرّك المشترك. المطلوب أن تتمكن، على سبيل المثال، طائرة مغربية من العمل إلى جانب طائرة إسبانية مع مساعدة تقنيّة إيطالية، وأن تتبادل فرق لبنانية وقبرصية البيانات والخبرات، من دون ارتباك في اللغة والإجراءات والاتصال وسلاسل القرار. ما يبدو تفصيلاً إدارياً في الأيام العادية يصبح، أثناء الحريق الكبير، فارقاً بين احتواء الكارثة واتساعها.
لقد أثبتت آلية الحماية المدنية للاتحاد الأوروبي فعاليتها مراراً خلال مواسم الحرائق الأخيرة، من خلال حشد الموارد الجوية والبرية عبر الحدود بسرعة تفوق أي نظام وطني منفرد. وما يضيفه “الاتحاد من أجل المتوسط”، هو بُعد الشراكة الأورومتوسطية لهذه الآلية، عبر تضمين دول جنوب وشرق المتوسط التي تتقاسم الجغرافيا نفسها للمخاطر، والتي طوّرت قدراتها الخاصة، والتي ينبغي أن تكون جزءاً من بنية مشتركة.
الخيار لم يعد بين تعاون مثالي وسياسات وطنية معزولة. الخيار الحقيقي هو بين استعداد مشترك قبل الكارثة، وارتجال مكلف بعدها. وإذا كانت 43 دولة في الاتحاد من أجل المتوسط قد بدأت بالفعل بناء إطار للتعاون في الحماية المدنية وإدارة مخاطر الكوارث، فإن الاختبار لن يكون عند اشتعال الحرائق فقط، بل في الفترات الهادئة التي تميل فيها الحكومات إلى النسيان.
فالحرائق المقبلة لن تسأل من موّل الطائرات، ولا من يملك الصلاحية، ولا أين تنتهي الحدود. ستطرح سؤالاً واحداً لا يحتمل التأجيل: هل استعددنا معاً، أم انتظر كلٌّ منا دوره في الاحتراق؟
13 May 2026

جوان بورّيل
الأمين العام المساعد للاتحاد من أجل المتوسط
