المتوسط: تنوّع لا تمحوه الحدود
الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط ناصر كامل
Published on the occasion of the World Day for Cultural Diversity for Dialogue and Development
لم يكن المتوسط يومًا فضاءً للعزلة. في كل عام، حين نحتفل باليوم العالمي للتنوّع الثقافي، يجد المتوسط نفسه أمام مرآة تعكس تاريخه العميق؛ إذ تشكّلت هويّات مجتمعاته، على مدى قرون، من خيوط التلاقي المتواصل بين ثقافات ولغات ومعتقدات متعددة. ولم تنهض الحضارات حول هذا البحر بمعزل عن بعضها، بل نمت بالتبادل والتفاعل المستمر عبر الحدود.
وتضرب جذور هذا الإرث المشترك عميقًا في تاريخ كان فيه المتوسط أكثر من مجرد ممر للتجارة أو طريق لنقل العلوم؛ كان مختبرًا حيًّا تتشكّل فيه الخبرات وتتفاعل الهويات. استعارت اللغات من بعضها، وامتزجت في الأكلات مكوّنات وصلت من ضفاف بعيدة، وتجدّدت الفنون والآداب على إيقاع الاقتباس والتأويل وإعادة الاكتشاف. وغدت الموانئ والأسواق والجامعات ملتقيات للمعارف والأفكار والرؤى، ومساحات للتعارف. هكذا حوّل هذا التدفق الإنساني المتواصل التنوّعَ من مجرد معطى جغرافي إلى ركيزة حضارية تُميّز المتوسط وتُعرّفه.
ويكشف هذا الإرث بوضوح أن أزهى فترات الرقيّ في المنطقة كانت دومًا تلك التي احتضنت التنوع وانفتحت عليه. واليوم يذكّرنا هذا الترابط التاريخي بأن قدرتنا المشتركة على الازدهار مشروطة بصون قنوات الحوار والتعاون، لكي يظل المتوسط فضاءً للفرص المشتركة.
غير أننا لا نستطيع أن نُغمض أعيننا عن ثِقَل اللحظة الراهنة، ولا عن الألم العميق والإرهاق الذي يثقل كاهل كثيرين على امتداد ضفافنا. فلا تزال الحروب والنزاعات تفضي إلى أوضاع إنسانية كارثية. كما أن الاضطرابات المتفاقمة شاهدٌ صارخ على الثمن الباهظ الذي ندفعه حين ينهار الحوار وتُستهان بمبادئ القانون الدولي. وهذه الأزمات لا تعرف حدودًا؛ حيث تتموّج تداعياتها بعيدًا فتعمّق الاستقطاب وتغذّي التطرف وتنخر روابط التضامن الإنساني التي تجمعنا.
وفي العالم الأوسع، تتصاعد كراهية الأجانب وسرديات الانقسام وخطاب الكراهية في ظل انتشار المعلومات المضلّلة بما يضعف الثقة التي لا يقوم بدونها أي سلام أو استقرار. وحين يتعرض العمل الدولي متعدد الأطراف لضغوط متصاعدة، وحين يرى بعضهم في الترابط بين الشعوب نقطة ضعف لا رصيدًا، يطرح المتوسط سؤاله الأزلي: أيّ بحر يفصل ولا يصل؟ فالجغرافيا هنا حكم لا استئناف منه. وفي مثل هذا المناخ، لا يكون الحوار ملاذًا من السياسة، بل هو السياسة ذاتها في أرقى صورها، وهو الأساس الذي لا يُبنى بغيره أي سلام مستدام.
من هنا أطلق الاتحاد من أجل المتوسط، بالشراكة مع مؤسسة آنا ليند، مبادرة “عواصم المتوسط للثقافة والحوار”. فهي ليست لقبًا فخريًا أو احتفاءً رمزيًا بالتراث، بل استثمار طويل الأمد في إعادة بناء الثقة عبر منطقة تتشعّب فيها الانقسامات. بتوأمة مدينتي ماتيرا وتطوان هذا العام وقرطبة وصيدا عام 2027، تنسج المبادرة مجالًا حيًّا ومستدامًا للتعاون بين الفنانين والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في مختلف ضفاف بحرنا المشترك.
حين تهيمن الانقسامات السياسية على المشهد الإقليمي، تبقى المدن قادرة على إبقاء الحوار حيًّا وملموسًا وإنسانيًا. وتُثبت هذه العواصم أن الثقافة ليست ترفًا يُضاف إلى مسيرة السلام، بل هي أحد الميادين القليلة التي يمكن فيها إحياء التعاطف الإنساني، وصون الذاكرة المشتركة، وترسيخ الاعتراف المتبادل. ومن خلال التبادل والتلاقي والإبداعات المشتركة والتواصل المباشر بين الناس، تغدو هذه المدن دليلًا حيًّا على أن التنوع يسهم في بناء جسور للتعاون لا خنادق للصراع.
تحقق هذه الشراكات الثقافية ما لا تستطيع السياسات وحدها تحقيقه، فهي تُعيد لـ”الآخر” وجهه الإنساني، وتذكّرنا بأن وراء كل حدٍّ سياسي أناسًا يشاركوننا التطلّع إلى الكرامة والأمن ومستقبل أفضل لأبنائهم.
لم تستمدّ منطقتنا قوّتها يومًا من التشابه، بل من ذلك الجهد الشاقّ المتواصل على العيش المشترك، في كل تعقيداته وتحولاته. والبحر الذي يمتد بيننا مرآة تعكس ما نختار أن نبنيه معًا، أو ما نتركه ينهار بالإهمال. وفي زمن تشتعل فيه النزاعات وتخبو الثقة، لا يُعدّ الاستثمار في ثقافتنا المشتركة رفاهية؛ بل هو فعل مقاومة في وجه الكراهية، واستثمار بعيد المدى في التماسك الإقليمي الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.
21 May 2026

